الغزالي
472
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
108 - باب : في الكلام على الجنازة والقبر اعلم أن الجنائز عبرة للبصير ، وفيها تنبيه وتذكير ، أما أهل الغفلة فإنها لا تزيدهم مشاهدتها إلّا قساوة ؛ لأنهم يظنّون أنهم أبدا إلى جنازة غيرهم ينظرون ، ولا يحسبون أنهم لا محالة على الجنائز يحملون ، أو يحسبون ذلك ، ولكنّهم على القرب لا يقدرون ولا يتفكّرون أن المحمولين على الجنائز هكذا كانوا يحسبون ، فبطل حسبانهم ، وانقرض على القرب زمانهم ، فلا ينظر عبد إلى جنازة إلا ويقدر نفسه محمولا عليها فإنه محمول عليها على القرب ، ولعله في غد ، أو بعد غد . ويروى عن أبي هريرة رضي اللّه عنه كان إذا رأى جنازة . قال : امضوا فإنّا على الأثر . وكان مكحول الدمشقي إذا رأى جنازة قال : اغدوا فإنا رائحون ، موعظة بليغة ، وغفلة سريعة ، يذهب الأول ، والآخر لا عقل له . وقال أسيد بن حضير : ما شهدت جنازة فحدثتني نفسي بشيء سوى ما هو مفعول به ، وما هو صائر إليه . ولمّا مات أخو مالك بن دينار خرج مالك في جنازته يبكي ويقول : واللّه لا تقرّ عيني حتى أعلم إلى ماذا صرت إليه ، ولا أعلم ما دمت حيا . وقال الأعمش : كنا نشهد الجنائز فلا ندري من نعزي ، لحزن الجميع . وقال ثابت البناني : كنّا نشهد الجنائز ، فلا نرى إلا متقنّعا باكيا . فهكذا كان خوفهم من الموت ، والآن لا ننظر إلى جماعة يحضرون جنازة إلا وأكثرهم يضحكون ، ويلهون ، ولا يتكلّمون إلا في ميراثه ، وما خلّفه لورثته ، ولا يتفكّر أقرانه وأقاربه إلّا في الحيلة التي بها يتناول بعض ما خلّفه ، ولا يتفكّر واحد منهم إلى ما شاء اللّه في جنازة نفسه ، وفي حاله إذا حمل عليها ، ولا سبب لهذه الغفلة إلا قسوة القلوب بكثرة المعاصي والذنوب ، حتى نسينا اللّه تعالى ، واليوم الآخر ، والأهوال التي